الشيخ محمد رشيد رضا
491
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فان هذا عين الشرك ، الذي ضل به أكثر من ضل من الخلق وقوله تعالى « مِنْ إِلهٍ » يفيد تأكيد النفي وعمومه ، فلو قال قائل « ما عندنا من طعام أو أكل ( بضمتين ) » أفاد أنه ما ثم شيء مما يطعم ويؤكل ، ولو قال : ما عندنا طعام أو اكل - لصدق بانتفاء ما يسمى بذلك مما يقدم عادة لمن يريد الغداء أو العشاء من خبز وإدام ، فإن كان لدى القائل بقية من فضلات المائدة أو قليل من الفاكهة لا يكون كاذبا . والمراد من النفي العام المستغرق هنا - انه ليس لهم إله ما يستحق أن يوجه اليه نوع ما من أنواع العبادة لا لرجاء النفع أو دفع الضرر منه لذاته ، ولا لأجل توسطه وشفاعته عند اللّه تعالى - بل الاله الحق الذي يستحق أن تتوجه القلوب اليه بالدعاء وغيره هو اللّه وحده أالكسائي « غيره » بالكسر على الصفة للفظ « إله » والباقون بالرفع باعتبار محله من الاعراب لأن أصله : ما لكم إله غيره ( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) هذا انذار مستأنف علل به الامر بعبادة اللّه تعالى وحده المستلزم لترك أدنى شوائب الشرك بها ، وبيان لعقيدة البعث والجزاء وهي الركن الثاني من أركان الايمان بعد التسليم بالرسالة . أي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم إذا لم تمتثلوا ما أمرتكم به ، وهو يوم القيامة الذي يبعث اللّه تعالى فيه العباد ويجازيهم بايمانهم وكفرهم وما يترتب عليهما من أعمالهم . وقيل هو يوم الطوفان ويضعف بأن الانذار به لم يكن عند تبليغ الدعوة بل بعد طول الاباء والرد والوصول معهم إلى درجة اليأس المبين بقوله تعالى من سورته حكاية عنه ( قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ) الآيات . وبقوله من سورة هود ( وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) الآيات - إلا أن يراد باليوم العظيم عذاب الدنيا مطلقا * * * ( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) الملأ أشراف القوم فإنهم يملؤون العيون رواء بما يكون عادة من تأنقهم بالزي الممتاز وغير ذلك من الشمائل ، قال هؤلاء الملأ لنوح : إنا لنراك في ضلال عن الحق بين ظاهر بنهيك إيانا عن عبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر الذين هم وسيلتنا وشفعاؤنا عند اللّه تعالى يقبلنا ببركتهم ، ويعطينا سؤالنا بوساطتهم ، لما كانوا عليه من الصلاح والتقوى . ونحن لا نرى أنفسنا أهلا لدعائه والتوجه اليه بأنفسنا ،